حسن الأمين
111
مستدركات أعيان الشيعة
الهياج ، وفيه وقاحة وتلون وشراسة ، وله لسان جاف شتام يستعمل ألفاظا قبيحة وقحة . وقد يغضب في مجلس يجمع أعاظم الدولة والأمة على أحد الرؤساء أو العلماء فيأمر بنزع قلنسوته أو عمامته عن رأسه وإلقائه في الخارج ، وهو يتفوه بألفاظ بذيئة . وعين أكثر الولاة ومن بيدهم إدارة شؤون المملكة من أقاربه وأتباعه . وظل الحاج « ميرزا آقاسي » مدة صدارته ، وهي أربعة عشر عاما ، مطلق اليد يفعل ما يشاء مسيطرا على عقيدة الشاه وإرادته ، ويتلقب بلقب « الرجل الأول » إذ كان يرى أن الصدارة العظمى دون شانه ومرتبته . ومن ثم كان يكسره ، بل كان يمنع ، أن يخاطبه أحد بلقب الصدر الأعظم ، ولا يرضى لقبا غير لقب « الرجل الأول » . ونبه رجال الدولة « محمد شاه » أكثر من مرة إلى أن وضع هذا الرجل في منصب الصدارة وإطلاق يده على هذا النحو يجر إلى الخراب والبوار . ولكن الشاه لم يصغ إليهم . وكانوا أحيانا يكتبون إليه مجتمعين بهذا الشأن ، فيطلع « حاجي آقا » على رسائلهم مخالفا بذلك ما يقتضيه منصب الملك في مثل هذه الحالات . ومن ثم كان الصدر الأعظم يعرف خصومه معرفة تامة . وفي سنة 1261 هتامر جماعة من كبراء الدولة ، كان بينهم « ملك قاسم ميرزا » ابن « فتح علي شاه » . وهو أيضا زوج أخت القائممقام « الميرزا أبو القاسم » الصدر الأعظم القتيل ، و « الميرزا آقا خان نوري » وزير الشؤون العسكرية و « الميرزا نظر علي حكيم باشي » القزويني طبيب « محمد شاه » القديم وأحد ندمائه من يوم كان أميرا قبل جلوسه على العرش وزوج إحدى بنات « فتح علي شاه » ، هؤلاء وغيرهم تأمروا على أن يجيئوا ب « منوجهر خان معتمد الدولة » والي أصفهان وينصبوه في منصب الصدر الأعظم بدلا من « الحاج ميرزا آقاسي » . وعرف هذا بالمؤامرة فاستصدر أمرا من الشاه بابعاد « ملك قاسم ميرزا » إلى أذربيجان ، وتغريم « الميرزا نظر علي حكيم باشي » ألف تومان وإبعاده إلى قم ، ووضع رجلي « الميرزا آقا خان » في الفلق وضربهما وتغريم عشرة آلاف تومان وإبعاده مع أخيه « الميرزا فضل الله » أمير الديوان إلى « [ كاشاف ] كاشان » . فنفذت هذه الأوامر وطال إبعادهم أربع سنوات . ومع أن « الحاج ميرزا آقاسي » لم يكن على صلة حسنة ب « منوجهر » المذكور فإنه عجز عن أن يناله بسوء ، إذ كان هذا قويا مقتدرا فظل ، على رغم الصدر الأعظم ، حاكما على أصفهان و « لورستان » وخوزستان . لما وصل « الحاج ميرزا آقاسي » إلى منصب الصدر الأعظم ، أو منصب « الرجل الأول » حسب ما كان يهوى أن يقال له ، اقترح عليه الشاه أن يتزوج بعمة له إحدى بنات « فتح علي شاه » واسمها « عزت النساء خانم » ، وصادف هذا الاقتراح هوى في نفسه فتزوجها . وكانت أرملة . وزوجها الأول ابن عمها « موس خان » ابن « حسين قلي خان » أخي « فتح علي شاه » . وبعد وفاة زوجها هذا ذهبت إلى مكة لأداء فريضة الحج . واتفق أن كان في قافلتها « الحاج ميرزا آقاسي » ، وذلك قبل أن يعرف بهذا الاسم إذ كان اسمه لا يزال « الحاج ملا عباس » ، وهو في لباس الفقر والدروشة . فسمع أن هذه الأميرة خالية لا زوج لها فخطبها لنفسه . فما كان من الأميرة إلا أن أمرت خدمها بتأديبه بالعصا ، فانهالوا عليه ضربا موجعا حتى أنهكوه ، ثم أمرت بإخراجه من القافلة فأخرجوه . ودار الزمان دورة من دوراته فأصبح « الحاج ملا عباس » الصدر الأعظم لإيران وأصبح يعرف باسم « الحاج ميرزا آقاسي » وزوجه « محمد شاه » بعمته « عزت النساء خانم » هذه نفسها . ويقال إنه لما خلا بها في ليلة الزفاف قال لها هل عرفتني قط ؟ وهل رأيتني قبل أن تصبحي اليوم زوجة لي ؟ فقالت : لا . لم أعرفك قط وهذه أول مرة أراك . فذكرها بقصة الدرويش الذي كان في قافلتها في سفر الحج وخطبته لها وضربه بالعصا وطرده من القافلة . ثم قال : أنا هو ذلك الدرويش المسافر إلى مكة الذي اتفق أن كان رفيق قافلتك . وها أنت ترين أنك ، مع ما زجرتني وأدبتني به من ذلك العقاب القاسي ، قد انتهيت إلى الزواج بي ! واشتهرت « عزت النساء خانم » هذه بقوة الساعد . قال أخوها « أحمد ميرزا عضد الدولة » في تاريخه : اشتهرت الحاجة الأميرة عزت النساء خانم بقوة القبضة . وكانت تباري أكثر إخوتها في الحضور الخاقاني بقوة القبضة فتغلبهم . ويقال إنها راهنت مرة أخاها الأمير سليمان ميرزا ، وكان معروفا بان له قبضة فائقة القوة ، فأخذت صينية قهوة من الفضة فقطعتها بيديها قطعة قطعة كما تمزق الورق . ولم تلد « الحاجة عزت النساء خانم » من الحاج « الميرزا آقاسي » . وكان لها من زوجها السابق ثلاثة أولاد ، صبي وبنتان . وأصبح الدرويش المعدم الصوفي المنعتق العالم العارف الزاهد في الدنيا الحاج « ميرزا آقاسي » في مدة صدارته المتمادية صاحب ملك وافر حتى صار في زمانه أول ملاك في إيران . وقدروا ما حصل عليه من أملاك بثمانية وثلاثين وأربعمائة وألف قرية ومزرعة في مختلف نواحي إيران . وذكروا أنه تخلى عن هذه الأملاك في أواخر حياة الشاه ، أي في أواخر عهد صدارته قبل وفاته بسنتين تقريبا ، وجعلها هدية للشاه سنة 1263 ه . قبل وفاة « محمد شاه » ببضعة أيام أرسل الحاج « ميرزا آقاسي » رسولا إلى تبريز إلى ولي العهد « ناصر الدين ميرزا » يخبره بسوء حالة الشاه ويدعوه إلى الحضور إلى طهران . وحين اشتد المرض ب « محمد شاه » لم يعده الحاج « ميرزا آقاسي » ولا حضر احتضاره وتجهيزه وتكفينه ، بل أخذ يقلب في ذهنه مخططات مختلفة ، ولجا إلى الوزير المفوض الروسي والوزير المفوض الإنكليزي يستشيرهما . في أول الأمر أراد أن يقيم في قلعة « عباسآباد » الواقعة في شمال طهران يرعى شؤون المملكة إلى أن يحضر الشاه الجديد . ولكنه انصرف عن هذه الفكرة وأقام في مسكنه الرسمي الخاص في طهران ، وأرسل إليه أنصاره ، ومنهم صنيعة له كان آمر المدفعية وكان من أخلص أنصاره وفي عهدته حراسة مسكنه ، رسالة قالوا له فيها إنهم عاجزون عن حمايته بسبب نقمة الأكثرية من الناس عليه ، وأن عليه أن يتدبر أمره بنفسه . فعزم على ترك منزله الخاص والذهاب في طريق أذربيجان لاستقبال الشاه الجديد . فلما وصل إلى « يافتآباد » الواقعة على بعد بضعة كيلو مترات في الجنوب الغربي من طهران ، وهي من أملاكه المستحدثة ، أراد أن يبيت فيها . ولكن أهل القرية رفضوا أن يفتحوا له أبواب القلعة حيث أراد أن ينزل وأهانوه . فهمه ذلك هما شديدا وعدل عن المضي إلى أذربيجان